أبي حيان التوحيدي

365

المقابسات

الكبير ، لأن النفس الناطقة لا تعطيك مكنون ما فيها إلا بتصفحك كل ما هو دونها من أجلها قيل : فما العلم ؟ قال : قال بعض الأوائل : هو الرأي الواقع على كنه حقائق الأشياء وقوعا ثابتا لا ينتقل عنه . قيل له : قد استفدناه فيما يحكى ، وإنما نرغب إليك فيما حاكه فضلك واستنبطه فكرك ، وجاد به عقلك ، وانتهى إليه فضلك ؟ فقال : العلم وجدان النفس مطلوبها إذا اعترضت الرتب على الانسان في أمره ، وذلك انها إذا وجدت مطلوبها توحدت به واتحدت فيه لهما ، وهذه صورته عندنا ، وشك الانسان بعد ذلك بالرأي الضعيف الظن السخيف من ناحية الطبيعة والعادة ، لأن ما جرى مجراهما لا يتحيف بحصولها ولا يسلبها ما صار بالواجب لها وقال : والعلم انفعال ما ولكن باستكمال يؤدى إلى النفس سرورها ، وحبورها اللذان هما خاصان لهما . والمعرفة تنفذ في الأشباح الماثلة [ و ] الاحساس القابلة . والعلم ينفذ في الأرواح القابلة للمعقول ، وقد يتعادلان عند العامة كثيرا لدقة الفرق وغموض الفصل ، وذلك أن العامة تطلق كلامها تحريفا وتخويفا ، فتزل عن كنه الحقائق لإلفها حضيض الأمور بما تراه العين وتسمعه الآذان ، ومن وراء البصر والمسموع معادن الحكمة الإلهية وبحار الاسرار الملكوتية ، ومصادر نفس الأنفس الزكية ، وموارد طمأنينة الأرواح الطينية ، ومعارج رواد العقول الصافية قيل : فما التوحيد ؟ قال : اعتراف النفس بالواحد لوجدانها إياه واحدا من حيث هو واحد لا من حيث قيل إنه واحد . وهذا هو الحد بين توحيد الجمهور بالتقليد وبين توحيد الخاصة بالتحقيق . فاما اعتراف اللسان فهو ثابت عن اعتراف النفس